خبر

صانع السوق مقابل المتلقي (Maker vs Taker): لماذا تختلف الرسوم؟

ما الفرق بين أوامر صانع السوق والمتلقي، ولماذا تكافئ معظم المنصات صانعي السوق برسوم أقل؟

رقعة شطرنج بقطع بيضاء وسوداء ترمز لاختلاف الأدوار والاستراتيجيات
بقلم فريق الساحة الرقمية العربية نُشر: 2026-08-05 قراءة 1 دقائق
محتويات المقال

يفتح متداولان الحساب نفسه على المنصة نفسها، وينفذان صفقة بالحجم نفسه تمامًا، ومع ذلك يدفع أحدهما رسومًا أعلى من الآخر بشكل ملحوظ. الفارق لا علاقة له بنوع العملة أو حجم رأس المال، بل بطريقة تنفيذ الأمر نفسها: هل أضاف المتداول سيولة إلى السوق أم سحب سيولة موجودة بالفعل؟ هذا هو جوهر التمييز بين صانع السوق (Maker) والمتلقي (Taker)، وهو نظام تسعير يحكم أغلب منصات التداول الرقمية دون أن يلتفت إليه كثير من المستخدمين الجدد.

دفتر الأوامر كنقطة انطلاق

لفهم الفرق، لا بد من العودة إلى الآلية التي تُنفَّذ من خلالها معظم الصفقات: دفتر الأوامر (Order Book). هو سجل حي يعرض جميع أوامر الشراء والبيع المعلَّقة عند مستويات سعرية مختلفة، مرتبة من الأعلى للأدنى في جانب الشراء ومن الأدنى للأعلى في جانب البيع. أي صفقة تُنفَّذ فعليًا هي نتيجة تطابق بين أمر موجود مسبقًا في الدفتر وأمر جديد يصل ليقابله.

من هذا التطابق تُشتق الصفة: الأمر الذي كان موجودًا في الدفتر ينتظر دوره يُصنَّف على أنه أمر “صانع”، لأن وجوده هو ما وفّر السيولة والفرصة للطرف الآخر. أما الأمر الذي وصل ونفَّذ فورًا مقابل ما هو موجود، فيُصنَّف “متلقيًا”، لأنه استهلك سيولة كانت متاحة أصلًا ولم يضف شيئًا جديدًا إلى الدفتر.

كيف تتحدد الصفة عمليًا؟

الفيصل ليس نوع الأمر بحد ذاته، بل ما إذا كان تنفيذه فوريًا أم لا:

  • أمر الحد (Limit Order) الذي يُوضَع بسعر لا يتقاطع مع أفضل سعر متاح في الجهة المقابلة، يبقى معلَّقًا في الدفتر بانتظار من يقابله — وهذا سلوك “صانع”.
  • أمر السوق (Market Order) يُنفَّذ فورًا بأفضل سعر متاح، أي أنه يستهلك أوامر موجودة بالفعل — وهذا سلوك “متلقٍ” دائمًا.
  • أمر الحد قد يتحول إلى “متلقٍ” إذا كان سعره يتقاطع فعليًا مع الجانب الآخر من الدفتر عند إرساله، فيُنفَّذ على الفور بدلًا من أن ينتظر.

لماذا تكافئ المنصات صانعي السوق؟

السيولة هي المورد الأثمن لأي منصة تداول. كلما كان دفتر الأوامر أكثر امتلاءً بأوامر معلَّقة قريبة من السعر الحالي، كلما كان الفارق بين أفضل سعر شراء وأفضل سعر بيع (السبريد) أضيق، وكلما استطاع المتداولون الكبار تنفيذ صفقات ضخمة دون تحريك السعر بشكل حاد. هذه البيئة تجذب مزيدًا من حجم التداول، وهو ما يفيد المنصة نفسها في نهاية المطاف.

لهذا السبب، تعتمد معظم المنصات هيكل رسوم يجعل تكلفة “الصنع” أقل من تكلفة “التلقي”، وأحيانًا تصل إلى رسوم صفرية أو حتى مكافأة (rebate) سلبية يُدفع فيها للمتداول مقابل إضافة سيولة، خصوصًا في أزواج التداول ذات الحجم الكبير حيث تتنافس المنصات لجذب صانعي سوق محترفين.

كيف تبدو الرسوم فعليًا على المنصات الكبرى؟

هيكل الرسوم يختلف من منصة إلى أخرى، ويتغير أيضًا مع حجم التداول الشهري للمستخدم عبر نظام مستويات (tiers). على سبيل التوضيح لا الحصر:

  • على بينانس، تبلغ الرسوم القياسية للمستخدم العادي (دون تجاوز عتبة حجم تداول شهري معينة) نحو 0.10% لكل من الصنع والتلقي في السوق الفوري، وتنخفض هذه النسب تدريجيًا مع ارتفاع حجم التداول الشهري أو الاحتفاظ برمز المنصة.
  • على كراكن، تبدأ الرسوم عند المستوى الأساسي من نحو 0.25% للصنع و0.40% للتلقي، وتنخفض عند أعلى مستويات الحجم إلى ما يقارب 0.00% للصنع و0.05% للتلقي فقط.
  • على كوينبيس عبر واجهة التداول المتقدم، تكون الرسوم عند المستوى الأساسي أعلى نسبيًا مقارنة بمنافسيها، بينما تكون رسوم الواجهة البسيطة للتطبيق المخصصة للمبتدئين أعلى بكثير من رسوم واجهة التداول المتقدم لأنها تُحتسب بطريقة مختلفة تشمل هامشًا إضافيًا.

الفارق بين “صانع” و”متلقٍ” على المنصة الواحدة قد يبدو صغيرًا كنسبة مئوية، لكنه يتضاعف تأثيره مع تكرار الصفقات وارتفاع حجمها.

مثال عملي بالأرقام

تخيل متداولًا ينفذ صفقة شراء بقيمة 10,000 دولار على منصة تُطبِّق رسوم 0.25% للصنع و0.40% للتلقي. إذا استخدم أمر سوق فوري (متلقٍ)، فسيدفع 40 دولارًا كرسوم. أما لو استخدم أمر حد بعيدًا قليلًا عن السعر الحالي وانتظر حتى يُنفَّذ (صانع)، فسيدفع 25 دولارًا فقط — فارق 15 دولارًا في صفقة واحدة. بالنسبة لمتداول ينفذ ما يعادل هذا الحجم عشرات المرات شهريًا، أو لصانع سوق آلي ينفذ آلاف الصفقات الصغيرة يوميًا، يتحول هذا الفارق إلى عامل حاسم في ربحية الاستراتيجية بأكملها، وهو بالضبط السبب الذي يجعل المتداولين المحترفين وصناديق التحوط يبنون أنظمتهم حول تعظيم نسبة الأوامر المصنَّفة “صانعًا”.

كيف تصبح “صانعًا” عمليًا؟

  • استخدام أوامر الحد بدلًا من أوامر السوق كلما سمح الوقت بالانتظار.
  • تفعيل خيار “Post-Only” إن كانت المنصة توفره، وهو إعداد يرفض تنفيذ الأمر فورًا ويُلغيه بدلًا من تحويله إلى “متلقٍ” بالخطأ.
  • وضع السعر بفارق بسيط عن أفضل سعر متاح بدلًا من مطابقته تمامًا، لضمان بقاء الأمر في الدفتر بدلًا من التنفيذ الفوري.
  • متابعة برامج الولاء وخصومات رمز المنصة، إذ توفر بعض البورصات خصمًا إضافيًا على الرسوم لمن يحتفظ بكمية معينة من عملتها الأصلية.

مخاطر ومفاضلات يجب فهمها

  • مخاطرة عدم التنفيذ: أمر الحد الذي يُوضَع بعيدًا عن السعر لضمان صفة “الصنع” قد لا يُنفَّذ إطلاقًا إذا لم يصل السعر إليه، فيفوت المتداول الفرصة تمامًا مقابل توفير جزء صغير من الرسوم.
  • مستويات الحجم بعيدة المنال لصغار المتداولين: أفضل نسب الرسوم عادة محجوزة لمن يتداول أحجامًا شهرية كبيرة جدًا، وهو ما لا ينطبق على غالبية المستخدمين الأفراد.
  • اختلاف المنطق في بعض الأسواق: في بعض منصات المشتقات أو الخيارات، قد يُعكَس المنطق أو تُطبَّق هياكل رسوم مختلطة، فمن الضروري مراجعة جدول الرسوم الرسمي لكل منصة قبل الاعتماد على قاعدة عامة.
  • رسوم الصنع السلبية وإشكالية التلاعب: حين تقدم منصة مكافأة مالية فعلية للصنع (رسوم سلبية)، يظهر إغراء لبعض الجهات لتنفيذ تداول وهمي (wash trading) بين حسابات مرتبطة لجني المكافآت، وهو ممارسة تخالف شروط أغلب المنصات وتُعرِّض الحساب للحظر.

خلاصة

نظام “الصانع مقابل المتلقي” ليس تفصيلًا تقنيًا هامشيًا، بل انعكاس مباشر لمنطق اقتصادي بسيط: من يوفر السيولة يُكافَأ، ومن يستهلكها يدفع علاوة. فهم هذا الفرق يمنح المتداول أداة عملية لخفض تكاليفه التراكمية دون تغيير استراتيجيته الأساسية، لكنه يتطلب في المقابل قبول مخاطرة أن لا يُنفَّذ الأمر فورًا أو حتى لا يُنفَّذ على الإطلاق.

اقرأ أيضًا: قراءة دفتر الأوامر: العمق والفارق و«الجدران»التكلفة الحقيقية لأي صفقة: أبعد من الرسم المعلنأرشيف قسم الأسواق

هذا المقال تعليمي بحت ولا يشكل نصيحة استثمارية.

فريق الساحة الرقمية العربية
فريق تحرير الساحة الرقمية